الكاتب: شهد الغامدي

  • أين ذهب الطفل الذي كنته؟

    أين ذهب الطفل الذي كنته؟

    عن الخوف من الحياة، ومصالحة الذات، واستعادة الدهشة

    كم مرة شعرت أنك تفتقد نسخة قديمة منك كنت تألفها؛ ذلك الطفل الذي يسكن داخلك، لكنه لم يعد حاضرًا كما كان؟

    ثم تتساءل: أين ذهب؟ هل نسيت أن تعتني به، أم ما زلت تستشعر الحياة وتبصرها بعينيه؟

    ربما حلّ عليك ما يطلقون عليه «لعنة الوعي»، فأفسدت إقبالك على الحياة، والتجارب، والأيام، والأشخاص. لم تعد تخوض الأشياء دون رهبة من الخسارة أو الفشل، كما اعتدت أن تفعل سابقًا؛ حين كنت، بابتسامة رقيقة ومطمئنة، تستلذ اللحظة دون أن تفكر بقلق فيما سيحدث غدًا.

    لكن هل هذا الإدراك هو ما أفسد بساطة الحياة فعلًا؟ أم أننا، كلما اتسعت بصيرتنا، سمحنا للتوجس بأن يملأ المساحات التي كانت تسكنها الدهشة؟

    هل يدفعك مرور الأيام وتقدم العمر إلى نسيان رغباتك وأحلامك، فتظن أنها أصبحت أصغر من عمرك، وأن حياتك أو قلبك لم يعودا يتسعان لها، فتنفصل شيئًا فشيئًا عن ذاتك حتى تشيخ مبكرًا؟

    وتظل متوجسًا طوال الوقت؛ من قضاء وقت مع نفسك، ومن الجلوس منفردًا مع أفكارك ومشاعرك، ومن المرض، والدراسة، ومرحلة ما بعد التخرج، والفقد، وتلويحات وداع الأصدقاء، والعمل، ومن تحدي نفسك بخوض أشياء لم تجربها من قبل.

    لكن هل جلست يومًا مع نفسك بهدوء لتفكر: ما الذي أريده حقًا؟ هل حققت الأحلام التي سعيت إليها؟ وكيف حال ذلك الطفل الذي يلوح لك من بعيد ويفتقدك، بينما تظن، بكبرياء، أنه يجب أن يُدفن؟

    تعتقد أن الحياة تتطلب منك أن تكون صخرة، بينما روحك في الحقيقة رقيقة مثل زهرة.

     وتظن أن تقدمك في العمر يطالبك بالوقار الدائم، والجدية الصارمة، وعدم ارتكاب الأخطاء، وارتداء وجه متجهم في مواجهة الحياة.

    وتنسى أن هذا الطفل المختبئ بداخلك، والذي ينمو معك ولا يغادرك، هو أصدق ما فيك، وأحنّه وأجمله.

    ولهذا، حين ترى الأطفال، تبتسم في وجوههم وتحن إلى نسختك القديمة. يلين قلبك أمام وضوح مشاعرهم، وحنانهم، وحبهم للعب، ومشاهدة أفلام الكرتون، واستكشاف الأشياء من حولهم، وكأن العالم يُخلق للمرة الأولى أمام أعينهم.

    وتتذكر حين كان أكثر ما يزعجك سماع عبارة: «سنعود بعد قليل»، وأنت تنتظر متابعة حلقة من برنامجك الكرتوني المفضل على سبيستون.

    فما الذي أفسد تلك البساطة؟ وما الذي أفقدنا الإحساس بقيمة الأشياء، مهما بدت صغيرة أو ضئيلة؟

    إن التقدم في العمر لا يعني أن نشيخ من الداخل، ولا أن نتخلى عن أحلامنا، مهما بدت قديمة أو بعيدة أو مستحيلة.

    لنفترض أنك حلمت يومًا بأن تصبح طبيبًا، أو كاتبًا، أو مصورًا، أو مهندسًا. في نشوة الحلم الأولى، كنت تعتقد أنك قادر على فعل المعجزات لتحقيق ما تريد، ثم بدأت عوامل كثيرة تجعل ذلك الحلم يتلاشى.

    قد تكون بعض العوائق واقعية فعلًا، وقد لا يكون كل حلم قابلًا للتحقق بالصورة التي رسمناها له. لكن كم مرة كان السبب الحقيقي أنك خشيت ألا تكون قادرًا؟ وأن الطريق أصعب مما تتخيل، أو أكبر من استيعابك؟

    كم مرة حكمت على نفسك بالفشل قبل أن تسمح لها بالتجربة؟ وكم مرة قيّدك ترددك، مرة تلو أخرى، حتى خسرت أشياء لم تحاول القتال من أجلها؟

    لا تتخلَّ عن أحلامك لمجرد أنها قديمة؛ فهي تبقي في روحك نورًا لا ينطفئ، وتفتح لك فسحات من الأمان والرضا والمثابرة، وتقودك نحو وجهات تعرفك وتعرفها.

    وأعتقد أن هذه الحياة لا تتطلب قلبًا قاسيًا، بل قلبًا رقيقًا، شجاعًا، وشغوفًا بخوض الرحلات والمغامرات الجديدة.

    ومهما تقلبت الحياة، ومهما واجهتنا بها، وتلاطمت معها أمواج أفئدتنا، فإننا نظل نبحر في سفينتها.

    فلا تغلق شبابيك قلبك.

    افتح نوافذك للحب؛ صافحه وراقصه، واسمح للآخرين بالدخول إلى حياتك، دون أن تسمح لهم بكسر حدودك. تعرف إلى أصدقاء جدد، وشاهد الحياة وهي تتلون بصحبة من تحب.

    هل ما زلت مذعورًا من احتمال ألا يكون الشخص الذي تعيش معه مشاعرك، وتشاركه أيامك ولحظاتك، هو نصيبك في النهاية؟ أو من أن يطعنك الصديق الذي وثقت به في ظهرك غدًا؟

    وماذا في ذلك؟ وهل الحياة أبدية؟ إنها فانية، ولكل علاقة في حياتنا عمر قد يطول أو يقصر.

    ربما سخّر الله لك أحدهم في مرحلة من حياتك لتدرك أنك قادر على الحب برقة وعاطفة شاعرية حنونة كنت تجهل وجودها فيك. وربما لم يأتِ ليبقى إلى الأبد، بل ليكشف لك جانبًا من نفسك لم تكن تعرفه.

    لكن لا تجعل خيباتك تنسيك أن هناك أشخاصًا ثمينين إلى جانبك في هذه اللحظة، يمدون نحوك أيادي قلوبهم؛ يفهمونك، ويودونك، ويفتخرون بك، وهم على استعداد لأن يساندوك ويضمدوا جراحك.

    غير أنك، من فرط سخطك والتفاتك إلى من انتهى وجوده في حياتك، قد لا تراهم ولا تلتفت إليهم، ثم يصفعك الندم وتعض أصابعه حين تخسرهم.

    افتح نوافذك أيضًا للأمل، والتسامح، والمغفرة، والبهجة، والتعلم، والتجربة.

    ولا بأس بأن تمنح نفسك حقها في الانهيار أحيانًا. لست مطالبًا بأن تظل قويًا طوال الوقت، ولا بأن تخفي هشاشتك حتى عن نفسك.

    لا تترك قلقك من الأشياء وهواجسك تجاهها يفسدان استمتاعك باللحظات الفريدة والنعم الوفيرة. فترقبك المستمر لما قد يحدث يجعلك تعيش الألم قبل وقوعه، وربما يحرمك مما هو حاضر بين يديك الآن.

    ولا تدع الأشياء والمشاعر، مهما كان نوعها وشكلها، تتكدس داخل فؤادك حتى تتعفن بالكتمان، وتتصدع معها روحك، وتنسى بمرور الوقت من أنت، فتفقد ملامحك الداخلية وضوحها.

    ويبدأ تجاوز ذلك حين تتعلم التصالح مع ذاتك، ومسامحة نفسك قبل مطالبتها بمسامحة الآخرين.

    اغفر لنفسك أخطاءها وهفواتها، وخسارتها للأشخاص والأشياء. لا تقسُ على روحك، ولا تعذبها باللوم المستمر، ولا تدع شيئًا يزعزع ثقتك بنفسك.

    امنحها المحبة؛ فالذي يعرف كيف يحب نفسه، تحبه الحياة ومن فيها. والذي يعرف قيمته لا يقبل ما ينتقص من عزته أو احترامه لذاته.

    واستعادة الطفل الذي بداخلك لا تعني أن تصبح ساذجًا، أو أن تهرب من مسؤولياتك، بل أن تحافظ على قدرتك على الدهشة، واللعب، والحلم، والبدء من جديد. أن تحمل رقتك معك، لكن تحميها بحدود ناضجة، وأن تسمح لقلبك بأن يظل حيًا دون أن تتركه مستباحًا.

    إن الأمر بيدك؛ أن تحطم اليأس، وبعينك أن تتبع الضوء في آخر النفق، دون أن تكترث كثيرًا إن كانت النهاية ليست تمامًا ما تريده.

    ولا بأس بأن ينتهي بك الطريق إلى وجهة مسدودة؛ فأنت، في أثناء سيرك، تعثرت وسقطت ثم قاومت. كنت واضحًا مع نفسك، ومع الآخرين، ومع حياتك، ولم تبقَ واقفًا في مكانك تهاب الخطوة الأولى.

    فالندم على ما لم تخطُ خطوة واحدة نحوه أشد إيلامًا من ذكرى خطوة متعثرة.

    وأعرف أن هذا قد يتعبك، لكنها الحياة يا عزيزي.

    غير أنك ستجد الطريق دائمًا؛ سيرشدك إليه قلبك حين لا تتجاهل الاستماع إليه، حتى إن أضعت الوجهة أكثر من مرة.

    وربما لا تحتاج إلى استعادة نسختك القديمة كما كانت تمامًا، بل إلى مصالحتها، والجلوس بجوارها، وسؤالها عما كانت تحبه قبل أن يعلّمها العالم الحذر أكثر مما تحتاج.

    شاهد فيلمًا كرتونيًا أحببته، عد إلى هواية تركتها، اكتب رسالة إلى الطفل الذي كنته، وطمئنه بأنك لم تنسه، وأنك لا تزال تحمل شيئًا من دهشته في قلبك.

    فأن تكبر لا يعني أن تتخلى عنه، بل أن تمسك بيده وأنت تمضي في الحياة؛ أكثر فهمًا لما حولك، لكن من دون أن تفقد بساطتك، وأكثر نضجًا، لكن من دون أن تشيخ روحك.