الكاتب: شهد الغامدي

  • ‎ صوت الحنين (أصيلة)

    ‎ صوت الحنين (أصيلة)

    كان يستيقظ كل يوم وفي رأسه أفكار عديدة يأخذ شهيقًا ثم زفيرًا ليعرف كيف يرتبها حتى لا يسمح لها أن تسحبه من قدميه ليغرق فيها، يذهب إلى غرفة المعيشة ليُقبل رأس أمه يجدها مثل كل صباح تستند إلى المقعد، وجهها يشرق ببسمة رقيقة، وبيدها المصحف تتلوه بصوتها العذب، يأخذ الكتاب على الرف الذي كان يقرأه بالأمس، يستريح ويتوسد ذراع والدته، يقرأ صفحة تلو الأخرى كأنما يمسك الكتاب بيديه، ويجعله يركض معه بين صفحاته، يضحك كثيرًا، يسرح كثيرًا، ثم فجأة يشعر أن هذا الكتاب يضغط على ذكرى موجعة دفينة في قلبه، يجد دموعه تنهمر، يلمسه هذا الجزء من الرواية الذي يحكي عن أب عاش عمره وفيًا لإرث أصيل من أجداده ليرثه من بعده أبناؤه لأجل ألا ينسى أحد منهم “من يكون”، وما ينتمي إليه، وأصله الثابت مثل شجرة والراسي مثل جبل، كان إرثهم هو إبل تُدْعَى أصيلة.

    أغلق الكتاب سمح لدموعه أن تنساب مثل غيث غزير بإمكانه أن يسقي صحراء قاحلة لتنبت بستاناً زهر، لم يكن بحاجته أن يكمل الكتاب ليفهم القصة، الذكريات مثل رياح عاتية عصفت بقلبه وعقله تتأرجح أمامه صورته حين كان طفلًا في المرحلة الابتدائية يمسح والده على رأسه، وهو على سريره كل فجر يحثه أن ينهض، ويحتضن يده قائلًا: يا بني شد عزمك لن تنال ما تريد إلا بسعيك نحوه إياك أن تخاف الفشل لو لم نتعثر يومًا ما كنا عرفنا لذة النجاح هيا انهض، وأشرق كالشمس حلمك ينتظرك لتحققه. يتأكد أبوه من استعداده لمواجهة يومه يُقبله على جبينه، ثم يذهب إلى المزرعة.

     حين يطمئن عل حصاده ، ويجد كل شيء مزهرًا، وعلى ما يرام ينشرح صدره يعرف كيف سيكون حاله بقية يومه، يمشي بضع خطوات حتى يصل للإبل الوحيدة التي بقيت له من والده تُدْعَى “أصيلة” وبلغة البداوة التي يتواصلون فيها بنغم الهجين المنسجم مع الإبل يشدو لها عذب القصيد، يُنهي ألحانه العذبة بضحكة صادقة، ينظر إلى ابنه، وهو واقف يراقبه عن مسافة قريبة يشير إليه بيده ليقترب منه أكثر، ثم يتحدث معه، وهو يمسد بيديه على ظهر الهجن اسمع يا بني قد نخسر أشياء عديدة من حولنا نفقدها، وتفتقدنا، لكننا نظل على سجيتنا صامدين، نُحلق نحو ما نريد بحزم وعزم لا يلين فقط حين لا ننسى يومًا ما هو أصلنا وإرثنا وتاريخنا العريق، كياننا وهويتنا هي ما نفتخر به، كان يضحك مستمتعًا بحديث والده، ولم يكن يعي بعد ما يقصده. تمر الأيام ويجد نفسه يتطبع بطباع والده يتعلم منه خصال البداوة المتسمة بالصبر والشدة والمرونة وسعة قلبه التي تفتح له آفاق العالم. يجد في أبيه قدوة، وشمعة أمل تنير له الطريق، وحنانًا يرشده لأيام أكثر طمأنينة، يخشى فكرة فقده رغم معرفته بأن الموت حق، لكن محبتنا لأحدهم تجعلنا نرتعد حين نتخيل فقط اليوم الذي سوف تكون أسماؤهم وصورهم وأصوات ضحكاتهم مجرد ذكرى، يستعيذ بالله من وساوسه.

    يركض خالد محتضنًا والده ووالدته مقررًا أن ينام لديهم الليلة، لم يكن يعلم ما ينتظره حين ينهض.

    أصوات صراخ تعلو من حوله والده مغشي عليه، والدته تشد ثوبه استيقظ يا أحمد استيقظ ما الذي دهاك، لكن لا جدوى، يصبح نبضه ضعيفًا، وتحاول إنعاشه، استيقظ خالد مفزوعًا تسمر في مكانه يخفق قلبه بشدة صوت طنين يعلو في رأسه لا يسمع شيئًا مما تصرخ به والدته، يحاول أن يستعيد توازنه، ويلتقط أنفاسه، يتصل بالإسعاف، ويشعر بالدقائق كأنها دهر، إعياء وتقلب في معدته يتملكه، وهو ينتظر، وصل الإسعاف أخيرًا كان لديه أمل، وفي ثوانٍ انطفأ حين أخبرهم الطبيب: عظم الله أجركم البقاء لله، هدوء مخيف وصمت في الأنحاء، لوهلة أحس بأنه يفقد السمع والبصر لا يحمله جسده على فعل شيء.

    يتماسك يقول بداخله ليس الآن لا يمكنك الانهيار الآن والدتك تحتاج إليك يا خالد، حمل جنازة والده بعد أن يقبله، ولا يستطيع البكاء، والكلمة مثل أداة حادة تجرحه حين يحاول التعبير عن انكساره، دفن جزء لا يتجزأ من روحه بيداه وحينها خارت كل قواه، واغرورقت عيناه بالدموع مشى متخبطًا، وارتمى في حضن والدته يتلوى من الفاجعة.

    مرت الأيام وملاذه الوحيد بعد الله ووالدته كانت إبل والده (أصيلة) حين شاهدته بعد حداده على والده أصدرت صوت (الحنين) هكذا عبرت من خلاله عن حزنها، وأنينها وفقدها له ولوالده، تهاوى الأصدقاء من حوله، وابتعد أقاربه عنه منهم من ينظر إليه بشفقة، ومنهم يشتمه قائلًا: كم أنت كئيب وباهت، وحدها أصيلة الإبل التي ساندته ترحب به كلما جاء وحين يبكي تشاركه البكاء، تذكر وصية والده أن يحافظ على هذا الإرث، علم حينها ما يعنيه أن يكون لديه إبل، ضحك في داخل نفسه قائلًا: كيف لم أدرك يومًا وفاء الإبل وإحساسها العميق الذي يصلها بصاحبها، كل هذا تجسد له بعد وفاة والده.

    ثم اختار أن يمضي حياته واليقين يملأ قلبه بأن كل ما يريده بوسعه أن يستلذ بمتعة الوصول إليه، يتذكر ما أخبره به والده ذات مرة: إذا رغبت في شيء، فإن العالم كله يطاوعك لتحقيق رغبتك، وهنا شعت رغبته، وعلم أنه يريد إكمال ما بدأ به أجداده ووالده.

     هكذا أكمل خالد الرواية لم تكن الرواية التي قرأها بالكتاب كانت روايته وحياته هو حين لمست والدته يده توقفت سلسلة الذكريات، وصورة والده على الرف تأن مسح عليها بيديه، وابتسم داعيًا له بالرحمة، أخذ نفسه، ومضى نحو صديقته أصيلة الإبل التي علمته كيف يصمد في وجه أعاصير الحياة، وكيف يظل بقلب وفي، وروح مثل نسمة باردة في حرارة الصيف الحارقة، والمهم أن يضع أمام عينيه دائمًا ما يريد، ويتذكر من يكون.