نهضت من سريري مذعورة، ألهث كأنني كنت أركض طوال الليل، وعرقي يتصبب بغزارة، في تلك اللحظة أدركتُ أنه مجرد كابوس. كان الظلام دامسًا، وجدت نفسي وحيدة، متوغلة في أحشائه في أرض مهجورة. ثم من حيث لا أدري، صوت غامض يهمس لي: هذا يومك الأخير.. ما الذي ستفعلينه؟
بفزع، أغمضتُ عينيّ ثم فتحتهما. قرصت جلدي، توقفت، تأملت جسدي ثم جلست القرفصاء، لأتأكد أن من لايزال على قيد الحياة هو أنا… وليس شبحًا.
حاولتُ النهوض والتقاط أنفاسي المتسارعة، وطمأنة توجسي. ثم صليتُ ركعتي الفجر وتعوذتُ بالله من هذا الكابوس الثقيل. وكالمعتاد توجهت إلى حجرة أمي وأبي، لكنني لم أجدهما.
حينها سرتُ إلى مائدة الطعام في المطبخ، حيث اعتدنا أن نجتمع للإفطار، ولم أجد سوى إخوتي. سألتهم باستغراب أين والداي؟ ليس من عادتهما الخروج مبكرًا.
نظر إلي إخوتي بوجوه شاحبة، وكأنهم يحاولون قول شيء، لكن الكلمات علقت في حناجرهم. كل شيء بداخلي ارتعد منذ أن استيقظتُ، وحدسي ينبئني أن هناك شيئًا ما.
وفورًا قفزت صورة جدتي إلى ذهني؛ كانت أول من خطر على بالي في تلك اللحظة المخيفة، فأصبحت أصرخ بهلع، بشكل هستيري:
جدتي؟ هل جدتي بخير؟ جدتي هل تدهورت صحتها؟ أرجوكم أجيبوني!
بشفاه مرتجفة أجابني إخوتي: (جدتنا في المستشفى…) انكمشت روحي قبل أن يكملا حديثهما: (في العناية المركزة… دخلت في غيبوبة ولا يعلم الأطباء إن كانت ستظل على قيد الحياة حتى الغد) أخبرنا والدانا ألا نوقظك على خبر كهذا وندعك حتى تستيقظي بنفسك.
لم أعد أسمع شيئَا، سوى طنين متواصل يملأ رأسي. رفعت بصري نحوهم، لكن وجوههم بدت كضباب، كصورة باهتة تتلاشى ملامحها تدريجيَا.
هرعت إلى غرفتي، ارتميت على سريري، وعانقت جسدي المنهك. كنت أعلم أن لا شيء قادر على طمأنتي. لأن هذه اللحظة خلفت في جوفي خوفًا لن يزول.
حاولتُ مهاتفة أفراد عائلتي، لكن لا أحد يجيب… .لحظات مرت كأنها سكين يُغرس في جوفي، ولا أستطيع نزعه
عقارب الساعة تتحرك، لكن الزمن لدينا توقف. عَمَّ صمتٌ مرعب، صمت انتظار لشيء نعرف أنه سيحدث، لكننا نحاول إنكاره. ظللت أنا وإخوتي والدموع تسبقنا، نلح بالدعاء لتحدث معجزة إلهية.
مر شريط الذكريات أمامي: جدتي ملاذ طفولتي الدافئ، تحميني من توبيخ أمي، تحتويني في تعبي، تهديني النقود خلسة حين أنجح، رحلاتنا للبحر، تضيء وجهها الضحكات في التجمعات العائلية، تدعو لي وهي تصلي، وتخبز لي الخبز الشهي الذي أحب.
ثم يتسارع الشريط… لحظة بلحظة… حتى يصل إلى تلك المرحلة التي بدأ فيها المرض الخبيث (السرطان) يلتهمها. تحول جسدها إلى ظلٍ هزيل يقتات عليه المرض وينهكه، وملامحها كانت تذبل مثل وردة، لكنه لم يستطع أن يسلبها حنانها، وعطاءها، ومحبتها، ورقتها، وعطف قلبها. كنا دائمًا، أنا وعائلتي نتحلى .بالأمل لأجلها
عادت والدتي إلى المنزل تجر قدميها اللتين بالكاد تحملانها على المشي. حاولت وإخوتي مساندتها، بينما داخلنا يتحطم تحت وطأة الألم. لم تنظر إلينا خشية أن نرى الدموع في عينيها، واكتفت بقولها بصوت مختنق: الطبيب أخبرنا إن الساعات القادمة حرجة، ولا شيء يبشر بشفائها. ثم دخلت غرفتها لتستريح، بينما جلسنا حولها نسترجع بعض الذكريات السعيدة، علها تخفف شيئًا من ثقل الحزن الذي يخيم علينا.
فجأة رن الهاتف، هذه المرة كان صوته أشبه دوي انفجار قنبلة! تغيرت ملامح أمي تمامًا، شفاهها ازرقت، عيناها بهتتا، ويداها أخذتا ترتعشان. أغلقت الهاتف ثم نطقت بصوت متحشرج (أمي ماتت) هكذا دون أي تمهيد، لا شيء يمكنه أن يمهد للموت، لا شيء قادر على تخفيف وطأته، شعرت بدوار شديد، وتسارعت ..نبضات قلبي حتى لم أعد قادرة على التنفس ثم… فقدتُ الوعي
أحاطتني عائلتي، يحاولون إيقاظي، يلمسون وجهي، يصرخون: نورة هل تسمعيننا؟ ومنذ تلك اللحظة لم يعد لي من اسمي نصيب…وانطفأت روحي..نقلوني إلى المقعد في غرفة المعيشة لأستعيد توازني وأهدأ، .لكن كل شيء بدا وكأنه يتهاوى داخلي
لقد تجسد الكابوس أمامي ليصبح واقعا مريرا لا يمكنني، ولا يمكننا جميعًا، تكذيبه، أو إيقافه، أو إعادة الزمن للوراء.. ذهبنا إلى مغسلة الأموات، وعند وصولنا، وددت لو أن أحدهم يغسل روحي من هلعها. بيدٍ ترتعش وبدن خارت قواه، ضممت جدتي ومسحت عليها، غير أنها لم تضمني كعادتها، ولم تخبرني بأنها تحبني! ..الكفن يلتف حول جسدها بإحكام، وعندها فقط عرفت ما يعنيه تغير الأشياء وانكسار الروح بعد الفقد
تمر أيام العزاء وهي تتكئ على صدورنا، ببطء شديد نسمع معه صرير أرواحنا مثل مقعد خشبي بمحطة انتظار مهجورة، قديم، ومتهالك، أنظر إلى والدتي وهي تبتسم: الحمد لله رحلت لمن هو أرحم منا. يظن الجميع أنها صامدة، لكنني أراها تتشظى من داخلها كزجاج مكسور، ولا تستطيع أن تصرخ لأنها دائما اعتادت أن تحمل على كتفيها الحانيتين عن كل واحد منا، تعبه، قهره، مرضه، حزنه، ولا تبالي بثقلها، وقسوتها، ما يهمها أن نكون بخير. قد تتلوى وجعا لكنها لا تبوح بما تحسه، يمكنني أن أشعر بذلك في انطفاء لمعة عينيها، ووهن يديها، ثم تمسح على رأسي حين أسألها هل هناك ما يثقل قلبك؟
لا يا ابنتي الحمد لله لا تقلقي علي، مجرد وعكة صحية بسيطة، وأحيانا تجيب: أعاني من إرهاق، وتارة أخرى تقول: فقط أحتاج للنوم، لكنها لن تخبرني أبدًا بحقيقة ما تشعر به لأنها تدفن آلامها في صدرها، إلا أن هذه المرة، عند وفاة جدتي، ارتسم على ملامحها أثر من الغم واللوعة، ربما تلك طريقتها في عيش طقوس غصتها.. أجلس أنا وأختي في حضن والدتي، محاولين تضميد جراحنا وسقي اشتياق قلوبنا فننظر إليك يا جدتي عبر صورة في الرف تبتسمين فيها وأنت محاطة بنا وتحملين أصغر الأحفاد بحنان بين يديك وندرك أنه لم يبق لنا سوى صور تجمعنا معك، وهي الشكل الوحيد الذي بتنا نعرفه للحياة من بعدك، صور تأن كلما لمسناها لأنها تفتقد أن تحتضنها يداك، مثل قلوبنا التي تتوق لأن تستريح بين ذراعيك مرة أخيرة،أن نعود .صغارًا وتخبرينا: بأن كل شيء سيكون على ما يرام حتى ولو لم يكن كذلك
شهد الغامدي

أضف تعليق