حين نسيت أن أعيش

تحمل بيدها كوب قهوة ساخن تتدفأ به من برد قارس يغرس أصابعه في عظامها أو هكذا من شدته كانت تشعر.. ضمت كفيها وفركتهما بلا جدوى، وتساءلت: أهذا الزمهرير في الطقس أم في روحي؟ 

سرحت بنظرها في المارّة، زوجان متجاوران لا يجمع بينهما سوى صمت مضاء بشاشتي هاتفين. 

مرّ الوقت ثقيلاً، وكلما التقت عيناها بعينٍ أخرى، انصرف صاحبها سريعًا إلى هاتفه، هكذا على مقعد انتظار محطة القطار جلست رحيل متذمرة من تأخر الرحلة.

 أخرجت هاتفها، ضغطت الاسم الذي تحفظه عن ظهر قلب صديقتها ليلى، رنّ قليلًا ثم انقطع.

بعد لحظات وصلها رد مقتضب: أنا مشغولة الآن.

أغلقت هاتفها ببطء حدقت في الشاشة السوداء لثوانٍ ثم أعادتها إلى حقيبتها دون أن تتنفس، شعرت بثقل في صدرها، كأن شيئًا ما يمنعها من النهوض، أو حتى من البكاء.

حينها رغبت أن تذهب للبحر أن تلغي رحلتها بالقطار أن تركض لمسافات طويلة أن تبكي عليها، استقلت سيارة الأجرة دون أن تفسح المجال لعقلها للتفكير وطلبت أن يوصلها للبحر.

 في المقعد الخلفي فتحت جهازها المحمول حين لاحظت أن المسافة للوصول للبحر نصف ساعة، محاولة إنجاز ما لديها من أعمال متراكمة، وبغضب تتمتم: في الغد علي أن أطلب زيادة في مرتبي مقابل هذا العمل الشاق الذي قضم ظهري، أو أنني ببساطة سوف أقدم استقالتي من هذا المكان المليء بالحمقى!! 

قطع السائق غضبها ليخبرها: ها قد وصلنا إلى وجهتك.

نزلت مسرعة وهي تحمل حقيبة جهازها المحمول متململة منه.

جلست قبالة البحر، الأمواج تتلاطم تمامًا مثل قلبها،  ثبتت نظرها في الأفق الظلام دامس والنجوم تضيء المكان، سمحت لنسمات الهواء الطلق أن تداعب راحة وجهها، وتنهدت بكل ما في صدرها. 

في المقهى المطل على البحر بجوارها سمعت صوت عبد الحليم التعبيري الشجي يغني ( شوف بقينا فين يا قلبي وهى راحت فين شوف خدتنا لفين يا قلبى وشوف سابتنا فين فى سكة زمان راجعين فى سكة زمان فى نفس المكان ضايعين فى نفس المكان لا جراحنا بتهدا يا قلبي ولا ننسى اللى كان يا قلبى) وفجأة بدأت السماء تمطر بللت يداها الرقيقتان وأصبحت اللحظة تعزف مع صوت عبد الحليم موسيقى تصفها.

ركضت كثيرًا تحت المطر كطفلة حصلت على لعبة ترغب بها، فكرت في هذه اللحظة كم مضى من الوقت دون أن تجلس لوحدها مع نفسها وتواجه مشاعرها بحديث طويل لتسكبها في فنجان النسيان.

هل فقدنا الشعور باللحظة السعيدة؟ أم أننا نتركها تمر عابرة؟

 متى أصبح جلوسنا برفقة من نحب مشوبًا بمراقبة الهاتف كل دقيقتين؟ 

متى أصبحت أرواحنا مشحونة بالقلق وجدران قلوبنا متصدعة بالوحدة؟

هكذا بدأت الأفكار تتصارع في عقلها كل فكرة تنقض على الأخرى وهي وحدها مُثقلة بكل هذا غرقت تحت المطر ورغبتها عارمة في أن تنشر أوجاع قلبها بعد أن تغسلها جيدًا لم تدرك مدى ما تحمله من عبء داخل هذه الروح التي تبدو مثل صخرة للعالم لكنها أرق من زهرة، ومع ذلك كانت تمضي في حياتها معتمدة بنصيب أكبر على أحاسيسها، دون أي ضمان تمنحها أياه لا الأيام ولا الأشخاص.

في هذه اللحظة شعرت إنها استعادت في قلبها شيء ما فقدته منذ أن تمرغت روحها وعقلها بوحل السعي المستمر رغبة في الوصول، تبحث عن حياتها لكنها نسيت أن تعيشها.

في تلك الليلة حملت معها من البحر إحساسًا غامضًا بأن شيئًا ما بداخلها استيقظ، عادت إلى منزلها مثقلة بالهدوء، كأن المطر غسل عنها الضجيج، لكنه ترك فراغًا لا تفسير له.

في اليوم التالي استيقظت زاد الإحساس وضوحًا، ليست فكرة تطرق باب رأسها، بل حنين مُبهم! 

نهضت من السرير لترتيب غرفتها وجمعت أغراضها القديمة، وإذا بشيء يسقط من حقيبتها انحنت لتتأكد، فوجدت كاميرتها الصغيرة توقفت للحظة وأطلقت تنهيدة وقالت: يا إلهي لا أذكر متى كانت اخر مره التقطت صورة بها.

 أخذت تقلب الصور فإذا بها تقف عند صور تشع سعادة، تُضيء الراحة وجهها، تلك التي تمتطي فيها خيلها أدهم وتطعمه في الإسطبل الذي كانت تتردد عليه دائمًا رغبة منها أن تصبح خيالة من الصفوف الأولى، لكنها انسحبت فجأة من هذا الحلم وأصبحت مترددة وخائفة من إكمال هذا الطريق، لم تعد تفسح المجال لأحلامها وهوايتها الأخرى غرقت في روتينها اليومي ولم تكن تدرك كم كلفها ذلك وسحب طاقة روحها.

قررت دون أن تدع لترددها فرصة العودة رغبت أن تشعر بهذه اللحظات مجددًا تلمس روحها، أن تعيد إحكام قبضة شغفها وإصرارها.

وبالفعل ذهبت للإسطبل، كانت المُدربة مندهشة من عودتها بعد هذا الغياب، قالت لها دون أن تمنحها فرصة للحديث: لا أصدق أخيرًا كم افتقدتك أنا وخيلك أدهم! أعتقد أنه يتوق لرؤيتك وسيكون سعيدًا بذلك.

ذهبت تركض لتستعيد نسختها التي تعرف وتحب، مثقلة بأشياء لم تبح بها يومًا، ضحكاتٌ تقاطعت في منتصف طريق الأحزان،
وأصدقاء تساقطوا كأوراق الخريف لكنها كانت رقيقة، دافئة، وبإصرارٍ تحب الحياة من داخلها حتى حين تشعر أحيانًا أنها لا تحبها، تعيش أيامها ممتنة لتفاصيل صغيرة،
لكنها وفيرة… مفعمة بالأمل والحب، نعم الحب حبٌّ يشبه رقصة عاشقين،
في منتصف ليلةٍ ماطرة،
على موسيقى هادئة،
مع خيلها الأدهم، في شعورها بالوحدة، أو السعادة، أو التعاسة،
والآن مجددًا تركض نحوه… ويركض نحوها.
امتطته ومع كل قفزة شعرت أنها تتصل مع شخص آخر حبيس داخلها مجددًا كانت تفتقده، استعادت الشعور بالأمان معه، رغم كتلة الخوف المرتعشة في داخله. هي وحدها من استطاعت ترويضه، وطمأنته
كطفلٍ خائف يهدأ حين تضمّه أمّه إلى صدرها، لأن هذا ما تعرفه عن الطمأنينة،
وعن الحياة، لأنها تستحقها.

هذه اللحظة كانت مثل وقود لروحها، حينها قررت أن تعيش الحياة لا أن تغمس فيها.

التعليقات

أضف تعليق