“ما أعرفه أنني سأظل أكتب لك، وستظلين بعيدة.”
أعود إلى رسالة غسان كنفاني إلى غادة السمان، فأجدني أفكر في ذلك الوجع الذي تحمله. كيف يمكن لإنسان أن يفيض بكل هذه العاطفة تجاه شخص يشعر، في أعماقه، أنه لن يكون له؟ وأتساءل أحيانًا: هل كانت تكتفي بما يوقظه فيها من شعور، أم أن المسافة بينهما كانت أكبر من أن يعبرها أحد؟
أفهم ما يعنيه أن تقف الكلمات عالقة في صدرك. أفهم أن أحاول كتمانها، لكنها تأبى إلا أن تتحرر؛ بشفافيتها، وبشاعريتها، لأن قلبي، الأكثر رقةً من غصن شجرة، لا يحتمل لعبة الكتمان والصمت. فتجد الأحرف تنهمر مني، ورغم هدوئي الظاهر، إلا أنني في الداخل أمواج من العاطفة، والحياة، والبهجة، والمغامرة.
وربما أكثر ما يوجعني أن أنهمر في أرض ليست خصبة للزراعة. أن أعرف أنني لن أحصد شيئًا، ومع ذلك لا يزال الأمل يحملني، وتحملني الذكريات، والحنان الذي كنت أشعر به ولم يعد.
وبينما تتسع الآن المسافات، أجدني أسأل نفسي:
هل أكتب لأنني لا أستطيع لمسك؟
أم أكتب لأنني لا أريد البكاء؟
أم أكتب لأن هذا الفراغ الذي بات بيننا، ويسكنني، يبدو موحشًا؟
كلما كتبت، ظننت أنني أترك جزءًا منك على الورق، لكنني أكتشف أنني أحتفظ بك أكثر. أكتب لأخفف حضورك، فإذا بالكتابة تمنحك مساحة أوسع داخلي
ولعلنا لا نكتب لننسى، بل لنمنح الغياب لغةً نستطيع احتمالها. وربما لهذا فهمت غسان أخيرًا حين كتب: “ما أعرفه أنني سأظل أكتب لك، وستظلين بعيدة.”

أضف تعليق